الفصل_الثاني

Published on Sep 18, 2026

الفصل_الثاني

الفصل_الثاني - PDF to Flipbook

Published on Sep 18, 2026

Description:

الفصل الثاني الجزء األول وصل مراد، إلى مقر عمله في منطقة نائية من الصحراء الجزائرية، حيث تنقطع خيوط الحياة الحديثة: ال إنترنت، ال شبكة هاتف محمول، فقط رمال تمتد إلى ما ال نهاية وصمت ثقيل يقطعه أحيانًا هدير اآلالت. كان منه ًكا جسديًا من رحلة السفر الطويلة، لكن شعلة غريبة كانت متقدة بداخله، إنها هي، تلك الفتاة التي أسرت قلبه في لحظة عابرة بالمطار . شعر وكأن طائرته أقلته إلى حيث تنتهي الحياة، إلى منطقة قاسية معزولة، من تلك المناطق التي تبتلع فيها آبار البترول أحالم العمال، وتتركهم يصارعون لوعة البعد عن األهل واألحبة تحت شمس ال ترحم. أنهى مراد إجراءات الوصول وترتيبات تسليم المهام لصديقه فريد، الذي كان يستعد للعودة إلى عائلته . كان فريد متوه ًجا بالفرح، عيناه تلمعان بشوق العودة إلى زوجته و ابنته الصغيرة سيرين، بينما بدا مراد شاردًا، غارقًا في أفكار ال يستطيع مشاركتها. الحظ فريد تشتته، فوض ع يده على كتفه وسأله بنبرة قلقة: "ما بالك يا صديقي؟ تبدو تائ ًها، لست كعادتك!" تنهد مراد، وهو يحاول إخفاء اضطرابه. "وهللا يا صاحبي، لست على ما يرام." "ما الخطب؟" رد فريد، وقلقه يتصاعد. "هل حدث شيء في بلدتك؟ هل أهلك بخير؟" "ال، كال وهللا، الكل بخير والحمد هلل،" أجاب مراد، لكنه لم يستطع إخفاء الظل الذي غطى عينيه. "إذن ما سبب تشتتك؟" أصر فريد. "إن كان بسبب روتين العمل الممل، فكلنا شركاء في هذه المهام القاسية. لكنها رزقنا، يا أخي. هناك من يشقى أكثر منا. ه ّون عليك، فالبعد عن األهل يكفي ه ًما، فال تزده ه ًما آخر ." ابتسم مراد ابتسامة باهتة، ممتنًا لكلمات صديقه، لكنه لم يستطع البوح بحقيقة ما يشتته. "شكًرا يا فريد،" قال، ثم أضاف بنبرة أخف: "مع السالمة، وبلغ سالمي للكتكوتة سيرين. قل لها إن مراد يحثها على االهتمام بدراستها." ضحك فريد وقال: "سأبلغها، وستفرح بالسالم. سلم لي على الصحراء!" تعانق الصديقان بحرارة، كما جرت عادتهما، ثم انصرف فريد، تار ًكا مراد وحيدًا مع أفكاره. توجه مراد إلى غرفته الصغيرة، حيث الجدران العارية والكرسي الواهن يشكالن مالذه المؤقت . استحم ليغسل عنه غبار الرحلة، ثم جلس على الكرسي، عيناه معلقتان بحقيبته السوداء التي بدت كصندوق أسرار . تذكر فجأة كتاب، "أمال وآالم "، الذي كان مخفيا بين مالبسه، تمنى لو أهدا ه لرهام في المطار، ومع الكتاب، عادت ذكراها كريح عطرة تحمل رائحة البن والياسمين. كانت عيناها العسليتان، ابتسامتها الشفافة، وحركة يدها وهي تنفض خصلة شعرها، ال تزال محفورة في ذهنه، كأنها لحن يرفض أن يتالشى. شيئا من سحر تلك ً نهض بسرعة، كأن الحياة عادت إلى جسده، وفتح الحقيبة. أخرج الكتاب، وتأمل غالفه الغريب ، كأنه يحمل ا اللحظة في المقهى. قرأ العنوان بصوت خافت، ثم فتح المقدمة وبدأ يقرأ : "بين يديك قصة لفتاة ريفية، رقيقة وشاعرية، جميلة وعفوية . لم يكن يستفزها زخم المدينة وال نزوات سكان القصور المجاورة، حتى قُ ّدر لها أن تقع في شباك الحب. دارت تارة مع رياحه كأوراق الخريف المبعثرة، وسكنت تارات أخرى كسكون الثلج على قمم الجبال. كان صاحب نعيمها وعذابها أمي ًرا من أمراء القصر، حيث تعمل والدتها كمصممة مالبس فاخرة..." توقف مراد، ورفع عينيه إلى الجدار العاري، وكأنه يرى ظل رهام هناك. "يبدو أنني وقعت في قصة مشابهة،" تمتم، وضحك ضحكة خفيفة مشوبة بالحسرة. لكن الضحكة تحولت إلى ذعر عندما تذكر المنديل الورقي الذي أعطته إياه . هرع إلى سترته المعلقة، وأدخل يده في الجيب الداخلي، يبحث بلهفة، لكنه لم يجد شيئًا. "ماذا؟ أين هو؟" صرخ في نفسه، وقلبه يغرق في الفزع. "يا هللا! يا له من حظ تعيس! لقد أضعت آخر أمل لي في إيجادها. كيف حدث هذا؟"الجزء الثاني فتش في كل جيب، قلب الحقيبة رأ ًسا على عقب، لكن المنديل، بذلك الرقم الباهت وكلمة "الرحلة"، كان قد اختفى، كأن القدر يسخر منه. في تلك اللحظة، دقت ساعة البدء لاللتحاق بمنطقة العمليات. ارتدى مراد بدلته وخوذته بغضب مكتوم، حانقًا على حظه الذي يبدو أنه يتآمر ضده. بدأ عمله في الحقل، تحت سماء الصحراء الملتهبة، لكن روحه كانت غائبة. الحظ رئيس العمل إحباطه، لكنه أعذره، ظنًا أنه مجرد إرهاق اليوم األول. عاد مراد إلى غرفته بخطى متثاقلة، مطأطئ الرأس، وكأن كارثة حلت به. كان يحمل في قلبه حسرة ثقيلة، ليس فقط بسبب عزلة الصحراء أو بعد األهل، بل بسبب خيال رهام الذي يطارده كسراب. دخل الغرفة وهو يتمتم بتذمر، يلعن وحدته وعجزه عن محاو ًال الهروب من أفكاره . لكن النعاس تسلل إ ليه، االحتفاظ بتلك الذكرى الوحيدة. استحم، ثم استلقى على سريره، مغم ًضا عينيه، وغط في نوم عميق . رآها في المطار . حاول اللحاق بها، لكنها اختفت في األفق، تاركة وراءها رما ًال متأللئة تحت ضوء القمر . فجأة، برز ظل امرأة في منامه، رأى فتاة صغيرة تجري، تشبه نسرين، ابنة فريد، لكنها كانت ترتدي فستانًا أبيض مزينًا بالزهور، يشبه فستان طفلة بعيدًا، شعرها الثائر يتموج مع الريح، كأنها شبح من ذكرى. ر اقترب مراد، قلبه يخفق، ونادى: "رهام؟" لكن الظل التفت، ولم ي وج ًها، فقط عينين عسليتين تلمعان للحظة قبل أن تتالشى مع نسمة باردة. وفجأة، هبت رياح عاتية، صفيرها يمأل أذنيه. بدأ الظل يتالشى ببطء، ذرة ذرة، كأنه يذوب في الهواء.في تلك اللحظة، دوى صوت مد و كالرعد. عرقً . نظر إلى السقف، وشعر أن الصحراء، بكل قسوتها، لم تكن المكان الوحيد انتفض مراد من نومه مذعو ًرا، جبينه يتصبب ا الذي يحاصره. كانت رهام، أو ذكراها، حصا ًرا آخر، أعمق وأقسى, قلبه يخفق بشدة.كانت نافذة الغرفة قد انفتحت بعنف بسبب هبوب عاصفة رملية شديدة، ستائرها ترفرف كاألشباح في الظالم.نهض من سريره بصعوبة، جسده متيبس من النوم العميق . توجه إلى النافذة ليغلقها، مصار ًعا الرياح التي حاولت دفعه للخلف. أغلق النافذة بإحكام، ثم توجه إلى الثالجة. شرب الماء بنهم حتى ارتوى، محاو ًال تهدئة أعصابه المتوترة.اتجه نحو الطاولة حيث وضع هاتفه المحمول داخل محفظة صغيرة. لم يكن يحتاجه تما ًم عن االتصاالت.وبينما كان يفتح محفظة الهاتف، سقطت قصاصة إال لمعرفة الوقت أو كمنبه، فمنطقة العمليات معزولة ا ورقية صفراء صغيرة. للحظة، توقف قلبه عن الخفقان. إنها هي! القصاصة التي تحمل رقم ريهام المبهم وكلمة " الرحلة!جحظت عينا مراد، وقفز من مكانه كالملسوع. "هللا أكبر !" صرخ بصوت عا ل، غير مبا ل بالضجة التي أحدثها.دق جاره على متسائ عما يحدث."اسمح لي... اسمح لي يا صديقي!" رد مراد بصوت مرتجف من الفرح. "وهللا إن ًال الجدار من الغرفة المجاورة، الدنيا حلوة!"هكذا وجد مراد طرف الخيط الذي سيوصله إلى ملكة قلبه . تلك الملكة التي سيطرت على كيانه بحركات أنثوية بسيطة، لكنها أثرت فيه بعمق لم يصل إليه أحد من قبل. وبينماكان يحدق في القصاصة، شعر بأن رحلة جديدة، مليئة باألمل واإلثارة، على وشك أن تبدأ.. الجزء الثالث في الطرف اآلخر من الدنيا، ما وراء البحر، وبالضبط في مدينة سوانسي، كانت تقيم ريهام مع صديقتيها سابيتوفا الروسية وساني الباكستانية. يدرسن الطب، يخرجن للتنزه والتسوق ويمرحن. يعشن حياة فارهة كونهن ينتمين إلى عائالت راقية. سابيتوفا ابنة رجل عسكري مهم في بلدها، وساني ابنة تاجر كبير في األقمشة، وريهام يملك والدها الجزائري األصل شركة عقارية رائدة. كما أن كل واحدة هي المدللة في أسرتها. فقدكن محظوظات لدرجة كبيرة. كانت سابيتوفا فائقة الجمال ذات شعر قرمزي برونزي، وقوام ممشوق، كما كانت ذات عينين خضراوين فاتحتين وكأنهما أوراق التوت! كانت تستمتع بمن يغازلها، فالكل يشتهيها. كماكانت ال تفوت فرصة في معاشرة من يظفر بها. لديها مغامرات جريئة مع أكثر من واحد، فقد كانت من النوع الطليق الذي ال يحب االرتباط بشخص واحد وكانت تتمنع أن تقع في الحب. وكانت تحب صديقتها ريهام كثي ًرا. على النقيض من سابيتوفا، فإن ساني كانت فتاة ملتزمة تضع الحجاب الباكستاني، وتحافظ على صلواتها. ومع ذلك فقد كانت جميلة الوجه، واسعة العينين، مملوءة الخدين، سمراء اللون. وكانت مخطوبة ألحد المهندسين العاملين في لندن، يحبان بعضهما، فلم تكن تعاني من جفاف عاطفي. كما كانت شديدة الذكاء والمالزمة للدراسة وكانت تحب ريهام هي األخرى أي ًضا. عمو ًما كانت ريهام محظوظة في صداقتها، لكنها كانت ذات نفسية مضطربة أحيانًا! كانت ذات وجه أبيض ساحر فتان، وشعر شديد السواد، عينان بنيتان متوسطتا الحجم، وشفتان بارزتان تبدوان في كل مرة كفاكهة من فواكه الفصل. كانت أيقونة من أيقونات الجمال في الجامعة، إال أنها على عكس صديقتها الروسية، لم تكن تمنح نفسها ألي أحد. كانت من النوع الوقاد الذي يشعل الرجال للهث وراءها ثم تطفئ كل شيء في النهاية. لم يكن يعجبها أي أحد فقد كانت ذات كبرياء قاتل. كانت تستمتع بذلك أحيانًا لكنها بعد لحظات تدخل في دوامة من االكتئاب وكأنها تلوم نفسها على ما فيها من عنفوان األنوثة الطاغية! في طفولتها نشأت شبه كاثوليكية مثل أمها ذات األصل األلماني، رغم أن والدها كان مسل ًما إال أنها لم تتبين أي طريق تأخذ. كما كانت في مراهقتها مثل فتيات مدينتها "برايتون" واألوروبيات عمو ًما، يفقدن عذريتهن في سن مبكرة ال تتعدى الرابعة عشرة. حدث لها ذلك مع صديق طفولتها "كامبي"، حيث كانا يجتمعان للدراسة في بيت جدته، وذات يوم أطاال المكوث في البيت واضطرا إلى قضاء الليلة هناك، فوقع بينهما ما وقع . لما بلغا الثامنة عشرة، سافر كامبي للعمل في مصنع والده وبقيت ريهام وحيدة ال صديق لها وال صديقة حتى التحقت بالجامعة بعد عام من فراقها لصديقها. وهناك التقت بصديقتها الباكستانية، أحبتها ريهام كثي ًرا مما أثر في ديانتها وجعلها تميل إلى اإلسالم، فأصبحت تقيم صلواتها وتصوم. بقيتامدة عشرة أشهر، حتى التحقت صديقتهما الروسية بهما، فأثرت شيئًا ما على ريهام، حيث كانت تصحبها معها إلى كثير من الحفالت الصاخبة وتعرفها على كثير من الفتيان إال أن ريهام كانت تتمنع من معاشرتهم، حتى أصبحت مشهورة بشخصيتها وسط الشباب وأصبحوا يتنافسون على من يسقطها في شباكه. الجزء الرابع في صبيحة اليوم الموالي للعودة من السفر، جاءت ريهام متأخرة للدرس ليس كعادتها. لقد قضت ليلتها في أحد النزل القريبة من الجامعة ألنها وصلت في وقت متأخر . فلما انقضى الدرس وشرعت في مغادرة الفصل انقضت عليها سابيتوفا قائلة : "أين أنت يا حبيبتي، لقد افتقدناك." ابتسمت ريهام وردت: "أنا هنا بينكن، وهل أستطيع مفارقتكن مدة أطول؟" ضحكت سابيتوفا ضحكتها الهيستيرية المعتادة وعانقتها ضامة لها بقوة، ثم أخبرتها قائلة : "هناك حفلة في ليلة الغد، ال تقولي لي أنك مشغولة أرجوك، ال تتهربي مثل ساني". "بالمناسبة أين ساني؟": تساءلت ريهام. "هي في عطلة مع خطيبها 'جاد' لمدة ثالثة أيام". "آه جميل إذن": ردت ريهام. "نعم صدقي أو ال تصدقي": قالت سابيتوفا مستهزئة، "أتدرين أن كًال من عائلتيهما معارضتان لخروجهما سويًا! بحجة أنهما لم يتزوجا بعد!" ردت ريهام: "على كل حال، المهم أنها حظيت بخطيب وستستقر قريبًا". نظرت إليها سابيتوفا باستغراب: "أنت من يتكلم! رائع، يبدو أنك اقتنعت أخي ًرا أنه البد من رجل في حياتك. لكن ما سر هذا التغير يا ترى؟ آه، هل قابلت أحدًا في بلد أبيك؟" هنا ضحكت ريهام ضحكتها المعتادة، وقالت: "كال، لم أقابل أحدًا". لكن سابيتوفا لم تصدقها: "ال يبدو ذلك من عينيك". أرادت ريهام إخفاء ما حدث مع مراد قائلة: "ال شيء، ال شيء. المهم لنتجهز للحفلة". قالت سابيتوفا: "هنا تعجبينني. على كل حال، هي حفلة تخرج االبن الوحيد ألحد أصدقاء والدي. كنت أعرفه منذ الطفولة وقد فعلنا أفاعيل سويًا. ذات مرة...". قاطعتها ريهام: "هل ستروين لي مغامراتك مرة أخرى؟! توقفي أرجوك". ضحكت سابيتوفا وقرصت خد ريهام قائلة : "تعلمين كم أحبك". كانت ريهام تشعر بتوتر داخلي، إذ لم تستطع التوقف عن التفكير في مراد، ذلك الغريب الذي ترك أثراً عميقاًفي قلبها .حان وقت الحفلة وتجهزت كل فتاة بحسب ذوقها وغايتها . ارتدت ريهام فستانًا ضيقً وقصي ًرا، لكنه كان أقل إثارة مما اعتادت عليه في مثل هذه المناسبات. تساءلت في نفسها: "لماذا أشعر بهذا الفراغ؟ أحمر ا لماذا لم أعد أهتم بكل هذا؟"دخلت سابيتوفا القاعة كعاصفة حمراء، شعرها المجعد يتراقص مع كل خطوة، وفستانها األسود القصير يكشف عن مفاتنها بجرأة. الحظت ريهام نظرات اإلعجاب التي تالحق صديقتها، وشعرت للحظة بغيرة غريبة."ريهام، لماذا تبدين شاردة هكذا؟" سألت سابيتوفا بفضول."ال شيء، فقط ... أشعر أنني لم أعد أنتمي إلى هذا العالم"، أجابت ريهام بتردد.رفعت سابيتوفا حاجبيها باستغراب، "منذ متى وأنت تتحدثين هكذا؟ هل هذا بسبب رحلتك األخيرة؟"قبل أن تجيب ريهام،الحظت سابيتوفا أحد طلبة الهندسة ينظر بإعجاب نحو ريهام. ابتسمت بمكر وأشارت له بالتقدم.اقترب الشاب من ريهام، عيناه تلمعان باإلعجاب. "مرحبًا، أنا آدم. هل... هل ترغبين في الرقص؟"شعرت ريهام بالضيق، لكنها حاولت أن تكون لطيفة. "شكًرا قلي أنا معجب بك منذ فترة و..."قاطعته ريهام ًال لك آدم، لكنني ال أرغب في الرقص اآلن."لم يستسلم آدم، "ربما يمكننا التحدث ؟ بحدة غير معتادة، "آسفة، لكنني لست مهتمة. أرجو أن تعذرني."شعر آدم باإلحراج والصدمة، وغادر وهو يتمتم بكلمات غاضبة. الحظ الجميع ما حدث، وبدأت الهمهمات تنتشر في أرجاء القاعة. في تلك اللحظات كانت سابيتوفا مختفية مع أحدهم تعيش لحظاتها الحمراء التي تعودت عليها في تلك األوقات. شعرت ريهام بالملل والوحدة تتسلل إلى قلبها. قررت مغادرة الحفلة والعودة إلى غرفتها حيث يمكنها التفكير بهدوء فيما تريده حقًامن حياتها. قليالً وهي تتأمل السائل األحمر . "هل هذا حقًا ما أريده؟ " همست لنفسها، صوت ساني أخذت ريهام كأ ًسا من الخمر، يدها ترتجف يتردد في ذهنها محذًرا. رشفت جرعة صغيرة، طعمها المر يذكرها بتناقضات حياتها. جلست على كرسي مجاور للطاولة الرئيسية، عيناها تتنقالن بين الوجوه المبتهجة من حولها. "كيف يمكنهم االستمتاع بهذا يو ًم ما؟ وهل تغيرت حقًا؟" الفراغ؟" تساءلت في نفسها. "هل كنت مثلهم ا "ال تبدين فرحة كعادتك!" فاجأتها سابيتوفا !، نبرة صوتها تحمل مزي ًجا من القلق واالنزعاج. "ماذا حدث لصديقتي المرحة؟ هل صرت متزمتة لهذا الحد !؟" شعرت ريهام بالغضب يتصاعد داخلها. "وهل السعادة تكمن فقط في هذا العبث؟" ردت بحدة، ثم تنهدت محاولة تهدئة نفسها. في طريق عودتهما، توقفت سابيتوفا فجأة. "حسنًا، كفى صمتًا! ما الذي يجري معك حقًا يا ريهام؟ منذ عودتك من رحلتك وأنت مختلفة. هل حدث شيء هناك لم تخبريني عنه؟" نظرت ريهام إلى صديقتها، عيناها تترقرقان بالدموع. "لقد... لقد التقيت بشخص. شخص جعلني أعيد التفكير في كل شيء." وصلتا لشقتهما، فسارعت ريهام لغرفتها، وبعد أن طرحت عليها فستانها وأخذت حماما سريعا، تناولت كتابا من مكتبتها، و استلقت على سريرها، تاركة الكتاب مفتوح على صدرها. أغمضت عينيها، صورة مراد تطفو في خيالها. "هل يمكن لشخص التقيته لدقائق أن يغير مجرى حياتي؟" تساءلت وهي تغرق في النوم، غير مدركة أن إجابة هذا السؤال ستقودها إلى مغامرة لم تكن تتوقعها. الجزء الخامس ليلة مقمرة، وهواء لطيف يحمل نسمات خريفية باردة. سكون الليل يقطعه صوت أوراق األشجار المتساقطة، كأنها همسات تحمل أسرا ًرا خفية.ريهام تقف أمام النافذة، أصابعها ترتجف وهي تمسك بستائر الغرفة. عيناها شاردتان في الظالم، تحاول جاهدة أن تستعيد تفاصيل يومها المشوش. صورة مراد تطفو في ذهنها، تلك االبتسامة البريئة التي أسرت قلبها في المطار .فجأة، صوت غريب يخترق الصمت، قادم من الرواق الخارجي. قلبها يتسارع، وقطرات العرق تتشكل على جبينها. تتردد للحظة، ثم تقرر االستطالع.بخطوات متثاقلة، تتجه نحو الباب. يدها تمتد نحو المقبض، لكن في تلك اللحظة، ينقطع التيار الكهربائي. الظالم الدامس يبتلع الغرفة، وصرخة مكتومة تهرب من شفتيها.تتراجع بسرعة، قدماها تتعثران في الفوضى المحيطة بها . قلبها يخفق بعنف، وأنفاسها تتسارع. "هدوء، هدوء،" تهمس لنفسها، محاولة استجماع شجاعتها.وسط الظالم والصمت، تتسلل أصوات ضحكات خافتة إلى أذنيها. صوت سابيتوفا، لكنهمختلط بصوت رجولي غريب. "مستحيل!" تفكر ريهام، "سابيتوفا نائمة منذ ساعات."فجأة، يعود التيار الكهربائي. الضوء الساطع يغمر المكان، كاشفًا مشهدًا صادًما: سابيتوفا في حضن شاب، لحظة حميمة تتكشف أمام عيني ريهام المذهولتين.قلبها يتوقف للحظة عندما يلتفت الشاب. وجه مألوف، عينان عميقتان، ابتسامة خجولة. إنه مراد!صرخة مدوية تخرج من حنجرة ريهام، تهز أركان الغرفة. عيناها تنفتحان على اتساعهما، لتجد نفسها في سريرها، متعرقة، ترتجف.سابيتوفا تندفع إلى الغرفة، وجهها شاحب من القلق. "ريهام! ما األمر؟ هل أنت بخير؟"ريهام تحاول استعادة أنفاسها، كلماتها متقطعة. "كابوس... مراد... أنت ..."سابيتوفا تجلس بجانبها، تضع يدها على كتف ريهام المرتجف. "من هو مراد؟ هل هو شخص التقيته مؤخ ًرا؟"عينا ريهام تتسعان بدهشة ممزوجة بالخوف. تتردد للحظة، ثم تقرر أن تفتح قلبها لصديقتها. "إنه... إنه شاب التقيته في المطار خالل رحلتي األخيرة."ابتسامة فضولية ترتسم على شفتي سابيتوفا. "وكيف لم تخبريني عنه من قبل؟ يبدو عميق.ً"ريهام تنهد بعمق. "ال أعرف ما الذي يحدث لي. كيف يمكن لشخص التقيته لدقائق معدودة أن يؤثر ف ّي أنه ترك أث ًرا ا هكذا؟"سابيتوفا تضغط على يدها برفق. "أحيانًا، اللحظات القصيرة هي التي تغير حياتنا بأكملها . لكن ما رأيك أن نتحدث عن هذا في الصباح؟ أنت بحاجة للراحة اآلن."ريهام تومئ برأسها، شاعرة بمزيج من االرتياح والحيرة. بينما تستلقي مرة أخرى، تتساءل عما يخبئه لها المستقبل. هل ستلتقي مراد مرة أخرى؟ وإن حدث ذلك، هل سيكون كما تخيلته، أم أن الواقع سيكون مختلفًا تما ًما؟ الجزء السادس رجع مراد إلى غرفته بعد يوم عمل شاق، مليء بالصخب وصوت اآلالت الميكانيكية ودوي أعمال الحفر . كان اإلرهاق باديًا على وجهه، لكن ما يثقل روحه أكثر هو ذلك الشعور بالوحدة والضياع الذي يالزمه منذ لقائه العابر بريهام في المطار .أخذ قس ًطا من الراحة ثم تجهز للعشاء. خرج ذاهبًا إلى مطعم العمل وهو شارد الذهن، متثاقل الخطى. الحظ زمالؤه شروده وغيابه عن واقعهم، لكنهم لم يشاؤوا أن يسألوه عن السبب. كانوا يعرفون جيدًا أن الغربة والبعد عن األهل واألحباب يمكن أن تفعل ذلك بأي منهم.بعد عودته لغرفته مباشرة، استرخى على سريره وتناول تلك الرواية التي وجد فيها انعكا ًسا لحياته. رأى نفسه في شخصية إيرين، الفتاة الريفية البسيطة، بينما كان حبيبها في القصة يشبه وضعه مع ريهام، تلك الفتاة الغامضة التي أسرت قلبه في لحظات.غاص مراد في أحداث الرواية، متخي ًال نفسه مكان إيرين. رأى نفسه يتنزه مع رفاقه بين محاصيل الزرع، يستنشق عبق الطبيعة التي ولد فيها. تخيل نفسه يسير على طريق طويل محفوف بأزهار الياسمين والليلك البنفسجي، ويرمق مجموعة من الشابات اللواتي يمررن من هناك.لكن بينما كانت الفتيات األخريات يقهقهن ويتغنجن، وجد نفسه - مثل إيرين - صامتًا، يكتفي بابتسامة محتشمة. شعر بالصراع الداخلي الذي عاشته إيرين، بين رغبتها في االنتماء وبين قيود المجتمع والتقاليد.توقف مراد عن القراءة، ونظر كعادته لسقف غرفته الصغيرة والموحشة. لم تكن الغرفة المستطيلة، بمرافقها البسيطة، أضيق من صدره الذي يعتصره الشوق والحيرة.لقد حركت تلك الرواية شيئًا عميقًا في داخله. وجد في شخصية إيرين انعكا ًسا لنفسه - ذلك الشاب الساذج الذي لم يجرب الحب من قبل، والذي نشأ في عائلة متدينة محافظة. لكن ما حز في نفسه أكثر هو التناقض بين شخصيته وشخصية ريهام - تلك الفتاة ذات المظهر الغربي المتفجر باألنوثة، والكبرياء القاتل والسلوك البارد.كيف له أن يدخل قلبها وهي تعيش في عالم مختلفتما ًما عن عالمه؟ ماذا لو كانت مرتبطة بآخرين؟ حاول مراد أن يطمئن نفسه: "كال، لقد رأيت فيها نو ًعا من التحفظ يحجزها على األقل من تعدد العالقات!"نهض مراد وبقي واقفًا، يتأمل من نافذة غرفته الصحراء الممتدة أمامه. "هل يمكن أن ألتقيها ثانية؟ كيف؟" همس لنفسه. فكر في االستعانة بمعارفه في الخطوط الجوية، لكنه أدرك سريعًا أن هذه الطريقة غير قانونية وغير أخالقية.وقف مراد حائ ًرا بين رغبته في إيجاد ريهام وبين قيم األخالق والدين التي تربى عليها. هل يمكن للحب أن يتجاوز كل هذه حقً هو الحب، أم مجرد وهم خلقه الوحدة واالغتراب؟مع هذه األفكار المتصارعة، قرر مراد أن يكتب. الحواجز؟ وهل ما يشعر به ا ربما من خالل الكتابة يستطيع أن يفهم مشاعره بشكل أفضل، وربما - فقط ربما - تجد كلماته طريقها إلى ريهام يو ًما. جلس مراد أمام الطاولة الصغيرة، قلمه يرتعش قليالً بين أصابعه. فتح دفتراً جديدا،ً صفحاته البيضاء تبدو وكأنها تنتظر بلهفة أن عميقا وبدأ يكتب:"عزيزتي ريهام، ً نفسا ، ً تمتلئ بكلماته . أخذ ال أعرف إن كنت ستقرئين هذه الكلمات يوما،ً لكنني أشعر أنني سأختنق إن لم أخرجها من صدري. منذ تلك اللحظة في المطار، وأنا..."توقف للحظة، يفكر في الكلمات المناسبة. كيف يمكنه أن يصف مشاعره دون أن يبدو متطفالً أو مهووساً؟ كيف يعبر عن فعالً هل ستفهم الصراع الداخلي الذي يعيشه بين رغبته في التواصل معها وبين خوفهمن رفضها؟ وماذا لو وصلته هذه الرسالة ؟ ما يحاول قوله، أم ستراه مجرد غريب مهووس؟مع كل هذه األسئلة تدور في رأسه، واصل مراد الكتابة، الكلمات تتدفق من قلمه كأنها سيل جارف، تحمل كل ما كبته في صدره طوال األسابيع ال ماضية . وبينما كانت الصفحات تمتلئ، بدأ يشعر بتغير ما يحدث داخله، كأن حقيقة جديدة تتشكل أمام عينيه ... واصل مراد الكتابة، قلمه ينساب على الورق بسالسة لم يعهدها من قبل :"... وأنا أعيش في عالم مختلف تما ًما. كل ما حولي هنا قا س وجاف - الصحراء، اآلالت، حتى وجوه زمالئي المنهكة. لكن ذكراك، تلك اللحظات القليلة التي جمعتنا، تبقى واحة خضراء في هذا الجفاف.أتساءل كثي ًرا عن حياتك، عن عالمك الذي يبدو لي بعيدًا كالنجوم. هل تفكرين في تلك اللحظة أحيانًا كما أفعل أنا؟ أم أنها مجرد لقاء عابر في حياتك المليئة باللقاءات واألحداث؟أعلم أن ما أشعر به قد يبدو جنونًا. كيف لشخص أن يتعلق هكذا بلقاء عابر؟ لكنني أشعر أن هناك شيئًا مختلفًا، شيئًا خا ًصا حدث في تلك اللحظات. ربما كان األمر مجرد صدفة، أو ربما..."توقف مراد عن الكتابة فجأة، قلمهمعلق فوق الورقة. شعر بدقات قلبه تتسارع مع كل كلمة كتبها. هل يجرؤ على إكمال تلك الجملة؟ هل يعترف لنفسه، وربما لريهام، بما يدور في أعماقه؟نظر إلى الساعة، كانت تشير إلى الثالثة صبا ًحا. عليه أن يستيقظ بعد ساعات قليلة للعمل، لكنه شعر أنه ال يستطيع التوقف اآلن. هناك المزيد، الكثير من المشاعر واألفكار التي تتدافع في صدره، تريد أن تجد طريقها إلى الورق.أمسك القلم مرة أخرى، وقبل أن يعود للكتابة، سمع صوتًا غريبًا قادًمامن خارج غرفته. توقف، مستمعًا بانتباه. الصوت يقترب، وقلبه يخفق بشدة. من يمكن أن يكون في هذا الوقت المتأخر؟ وماذا يمكن أن يعني هذا لرسالته غير المكتملة، ولمشاعره التي بدأت للتو في البزوغ ... مراد يضع القلم جانبًا، أذناه مرهفتان اللتقاط أي صوت . الصمت يخيم على المكان لثوا ن، ثم يعود الصوت - خطوات متثاقلة تقترب من باب غرفته. قلبه يخفق بعنف، وعقله يتسابق مع االحتماالت . هل هو أحد زمالئه؟ أم ربما حارس األمن يقوم بجولة و ًال تجنب أي صوت قد يصدر عنه. يتجه نحو الباب بخطوات حذرة، يده تمتد نحو المقبض. تفقدية غير معتادة؟يقف ببطء، محا طرقً خفيفًا على الباب. صوت خافت يناديه : "مراد... مراد، لحظة من التردد تسيطر عليه - هل يفتح الباب أم ينتظر؟فجأة، يسمع اهل أنت مستيقظ؟"يعرف هذا الصوت جيدًا - إنه صديقه وزميله في العمل، أحمد. لكن ما الذي يأتي به في هذا الوقت المتأخر؟يفتح مراد الباب ليجد أحمد واقفًا هناك، وجهه شاحب وعيناه تحمالن نظرة قلق."ما األمر يا أحمد؟ هل حدث شيء؟" يسأل مراد بصوت منخفض.أحمد يتردد للحظة قبل أن يجيب: "لقد... لقد وصلتنا رسالة عاجلة من اإلدارة. يبدو أن هناك تسربًا في أحد اآلبار، والوضع خطير . يحتاجون إلى فريق للتدخل السريع، وقد تم اختيارك ضمن الفريق."قلب مراد يهبط إلى قدميه. هذا يعني مهمة خطرة، وربما غياب لعدة أيام في موقع بعيد. ينظر خلفه إلى الطاولة حيث تركته رسالته غير المكتملة لريهام."متى علينا التحرك؟" يسأل، وهو يشعر بالصراع يمزقه بين واجبه المهني ورغبته في إكمال ما بدأه."خالل ساعة،" يجيب أحمد. "السيارات ستكون جاهزة عند البوابة الرئيسية. أنا آسف يا صديقي، أعرف أنك كنت تعمل على شيء ما..."مراد يبتلع ريقه بصعوبة. عليه أن يتخذ قرا ًرا سريعًا. هل يأخذ الرسالة معه؟ هل يتركها هنا؟ أم يمزقها ويبدأ من جديد عندما يعود؟وبينما يقف هناك، عالقًا بين عالمين - عالم واجباته وعالم أحالمه. الجزء الثامن مراد يقف متسمراً في مكانه، الرسالة غير المكتملة لريهام ترتعش بين أصابعه. صوت صفارة اإلنذار يدوي في الخارج، معلناً ملحا من الممر . "الوضع أسوأ مما ظننا . التسرب يهدد مصدر المياه الجوفية للمنطقة بأكملها!"قلب مراد يتسارع. صورة ريهام ً حالة الطوارئ. عيناه تنتقالن بين الرسالة وحقيبة الطوارئ المعلقة على الباب."لدينا خمس دقائق فقط يا مراد!" صوت أحمد يأتي ملوثا. يشعر بثقل المسؤولية على كتفيه، وفي الوقت نفسه، يحس بوخز ً تومض في ذهنه، تتداخل مع صور ألطفال يشربون ما ًء الندم على ترك رسالته غير مكتملة."مراد! هيا بنا!" صوت أحمد يعيده إلى الواقع.في لحظة حاسمة، يتخذ مراد قراره. يطوي الرسالة غير المكتملة ويضعها في جيبه الداخلي، قريبة من قلبه. ثم يلتقط حقيبة الطوارئ بيد مرتجفة . وهو يندفع نحو الباب، يلقي نظرة أخيرة على غرفته، على الطاولة حيث كان يكتب قبل لحظات.األفكار تتصارع في رأسه: هل سيعود ليكمل رسالته؟ وإذا عاد، هل سيجد الشجاعة إلرسالها؟ وماذا لو حدث له شيء خالل هذه المهمة الخطرة - هل ستعرف ريهام يوماًما كان يشعر به؟مع كل خطوة يخطوها نحو سيارة الطوارئ، يشعر مراد أن حياته تتغير إلى األبد. الرمال تتطاير حول السيارة وهي تنطلق في الظالم، وصوت محركها يختلط مع دقات قلبه المتسارعة.وبينما تبتعد السيارة عن المعسكر، يتساءل مراد: هل اختار الطريق الصحيح؟ وما الذي يخبئه له القدر في نهاية هذه المهمة الخطرة؟ وهل سيكون هناك فرصة أخرى إلكمال ما بدأه، أم أن هذه اللحظة ستظل معلقة إلى األبد، كحلم لم يكتمل؟ بينما تشق السيارة طريقها عبر الصحراء المظلمة، يشعر مراد بالرسالة في جيبه كأنها جمرة متقدة . صوت محرك السيارة وصرير الرمال تحت العجالت يختلط مع أفكاره المتالطمة."كم يبعد الموقع؟" يسأل مراد، محاوالً تركيز ذهنه على المهمة."حوالي ساعتين،" يجيب السائق. "لكن الطر يق وعر، وقد نواجه عاصفة رملية."يتبادل مراد النظرات مع أحمد. عيون زميله تعكس القلق نفسه الذي يشعر به. هذه ليست مهمة عادية، وكالهما يدرك حجم الخطر .فجأة، يضرب شيء ما جانب السيارة حاوالً السيطرة."عاصفة رملية!" بقوة . اإلطارات تصرخ وهي تحاول الثبات على الرمال المتحركة. السائق يصارع المقود، م يصرخ أحد أفراد الطاقم.قلب مراد يخفق بعنف. يده تضغط بشكل ال إرادي على جيبه حيث توجد الرسالة. في هذه اللحظة من ويسارا والرؤية تكاد تكون معدومة. صوت ً يمينا ، ً إلحاحا من أي وقت مضى.السيارة تتمايل ً الخطر، تبدو كلماته لريهام أكثر الرياح يطغى على كل شيء، كأنها صرخات أشباح الصحراء."علينا أن نجد مأوى!" يصيح السائق . "ال يمكننا االستمرار هكذا!"مراد ينظر من النافذة، محاوالً اختراق ستار الرمال بعينيه. فجأة، يلمح شيئا-ً ظل كثيب رملي كبير يلوح في األفق."هناك!" يشير مراد. "يمكننا االحتماء خلف ذلك الكثيب حتى تهدأ العاصفة!"السائق يوجه السيارة بصعوبة نحو الكثيب. مع كل لحظة تمر، جسديا بل وروحياً أيضا.ًأخيرا،ً تصل السيارة إلى مأوى نسبي خلف ً يشعر مراد أن المسافة بينه وبين ريهام تزداد، ليس فقط ، محاطا بزمالئه في ظالم ً الكثيب. الجميع يتنفس الصعداء، لكن مراد يدرك أن هذا مجر د تأجيل مؤقت للخطر .وبينما يجلس هناك، الليل الصحراوي، والعاصفة تهدر من حولهم، يتساءل مراد: هل ستتاح له الفرصة إلكمال رسالته؟ وإذا نجا من هذه المهمة، هل سيجد الشجاعة ليواجه مشاعره تجاه ريهام؟الساعات القادمة ستحمل اإلجابة، لكن لحظة، يشعر مراد بسالم غريب. مهما كان مصيره، فقد اتخذ خطوة نحو الحقيقة - حقيقة قلبه. وهذه الخطوة، مهماكانت صغيرة، قد تكون بداية لرحلة أكبر بكثير مما كان يتخيل...